قبل أن يكون موسيقتي مشروعًا تعليميًا، هو امتداد لرحلة شخصية مع العود. في هذه المساحة أقدّم تحية لستة عازفين تركوا أثرًا عميقًا في سمعي، تعلّمي، وطريقتي في التفكير بالموسيقى: من الذاكرة والوفاء، إلى التعليم، التجريب، والخيال اللحني.
تحية ووفاء
نزيه أبو الريش
تحية ووفاء لعازف العود السوري الذي امتلك تقنية خاصة ونادرة، وفكرًا موسيقيًا لا يشبه غيره. ترك نزيه أبو الريش في العود أثرًا لا يمكن اختصاره؛ فما وصلني من عزفه لم يكن السرعة أو مهارة العزف فقط، بل طريقة خاصة في لمس الوتر، كأن الريشة تبحث عن صوت داخلي قبل أن تعلن الجملة. رحل نزيه باكرًا، لكن أثره بقي حاضرًا كمدرسة وأسلوب في العزف. منه تعلّمت أن التقنية لا تكتمل إلا حين تصبح شخصية، وأن الحساسية يمكن أن تكون قوة موسيقية كاملة.
أستاذ وملهم
أميل بشارة
أستاذي ومرشدي في رحلتي الأكاديمية خلال البكالوريوس والماجستير، ورفيق أثّر في مساري الموسيقي. هو عازف عود وصاحب تفكير موسيقي خاص، يجمع بين عمق الموسيقى الشرقية وروح الجاز، ويفتح على العود مساحة مختلفة للتعبير والتأمل. من خلاله تعلّمت أن العود ليس آلة تراثية فقط، بل مساحة تفكير: مقام، هارموني، روح جاز، وقرار واعٍ في كل جملة. أعطاني نموذجًا لعازف يفكّر بعمق ويعلّم من خلال الصوت بقدر ما يعلّم بالكلام.
أثر معاصر
حازم شاهين
حازم شاهين أعطاني نموذجًا لعازف يعرف كيف يجعل العود آلة حوار لا آلة استعراض فقط. في عزفه أسمع روحًا مصرية واضحة، وصرامة تقنية لا تطغى على المعنى، وجملة موسيقية تُبنى بتأنٍ: فكرة بسيطة، تلوين مقامي، ارتجال محسوب، ثم تصاعد يعرف متى يتوقف. منه تعلّمت أن العود يمكن أن يكون معاصرًا من غير أن يفقد جذوره، وأن السرعة والزخرفة لا قيمة لهما إذا لم تخدما وضوح الجملة وصدق التعبير.
خيال وتجديد
محمد القصبجي
محمد القصبجي فتح لي باب الخيال في العود كآلة تفكير لا كآلة طرب فقط. في أثره أسمع جرأة موسيقية، ورشاقة في الجملة، وانتقالات مقامية ذكية تفاجئ السامع من غير أن تقطع صلتها بالجذر الشرقي. منه تعلّمت أن التجديد الحقيقي لا يعني الابتعاد عن التراث، بل الإصغاء إليه بعمق ثم دفعه إلى أفق جديد، حيث يصبح العود قادرًا على الدهشة والسؤال لا على التكرار فقط.
وقار الجملة
رياض السنباطي
رياض السنباطي علّمني أن العود يمكن أن ينطق بعقل ملحّن وروح مطرب. في عزفه لا أسمع استعراضًا تقنيًا، بل وقارًا مقاميًا وجملة طويلة تعرف كيف تتحرك بتأنٍ داخل المقام. منه تعلّمت أن الطرب لا يحتاج إلى كثرة الزخارف، وأن قوة العزف قد تكون في الوقفة الموزونة، والنغمة المختارة بعناية، والتصعيد الهادئ الذي يجعل العود قريبًا من القصيدة والغناء الكلاسيكي.
دقّة واتساع
سيمون شاهين
سيمون شاهين أعطاني صورة عن العود كآلة عربية قادرة على الوقوف بثقة في مساحة عالمية. في عزفه دقّة عالية، ونظافة تقنية، ووعي بالشكل، لكن من غير أن يفقد العود نبرته الشرقية وروحه المقامية. منه تعلّمت أن الاحتراف ليس سرعة فقط، بل انضباط صوت، بناء واضح، وقدرة على حمل المقام إلى جمهور أوسع، حيث يلتقي التخت العربي بفضاء الحفلات العالمية من غير أن يذوب فيه.